فخر الدين الرازي
219
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
[ سورة العلق ( 96 ) : آية 5 ] عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ ( 5 ) فيحتمل أن يكون المراد علمه بالقلم وعلمه أيضا غير ذلك ولم يذكر وأو النسق ، وقد يجري مثل هذا في الكلام تقول : أكرمتك أحسنت إليك ملكتك الأموال وليتك الولايات ، ويحتمل أن يكون المراد من اللفظين واحدا ويكون المعنى : علم الإنسان بالقلم ما لم يعلمه ، فيكون قوله : عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ بيانا لقوله : عَلَّمَ بِالْقَلَمِ [ العلق : 4 ] . [ سورة العلق ( 96 ) : آية 6 ] كَلاَّ إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى ( 6 ) وفيه مسائل : المسألة الأولى : أكثر المفسرين على أن المراد من الإنسان هاهنا إنسان واحد وهو أبو جهل ، ثم منهم من قال : نزلت السورة من هاهنا إلى آخرها في أبي جهل . وقيل : نزلت من قوله : أَ رَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْداً [ العلق : 9 ] إلى آخر السورة في أبي جهل . قال ابن عباس : كان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يصلي فجاء أبو جهل ، فقال : ألم أنهك عن هذا ؟ فزجره النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقال / أبو جهل : واللّه إنك لتعلم أني أكثر أهل الوادي ناديا ، فأنزل اللّه تعالى : فَلْيَدْعُ نادِيَهُ * سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ [ العلق : 17 ، 18 ] قال ابن عباس : واللّه لو دعا ناديه لأخذته زبانية اللّه ، فكأنه تعالى لما عرفه أنه مخلوق من علق فلا يليق به التكبر ، فهو عند ذلك ازداد طغيانا وتعززا بماله ورئاسته في مكة . ويروى أنه قال : ليس بمكة أكرم مني . ولعله لعنه اللّه قال ذلك ردا لقوله : وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ [ العلق : 3 ] ثم القائلون بهذا القول منهم من زعم أنه ليست هذه السورة من أوائل ما نزل ومنهم من قال : يحتمل أن يكون خمس آيات من أول السورة نزلت أولا ، ثم نزلت البقية بعد ذلك في شأن أبي جهل ، ثم أمر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بضم ذلك إلى أول السورة ، لأن تأليف الآيات إنما كان يأمر اللّه تعالى ، ألا ترى أن قوله تعالى : وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ [ البقرة : 281 ] آخر ما نزل عند المفسرين ثم هو مضموم إلى ما نزل قبله بزمان طويل القول الثاني : أن المراد من الإنسان المذكور في هذه الآية جملة الإنسان ، والقول الأول وإن كان أظهر بحسب الروايات ، إلا أن هذا القول أقرب بحسب الظاهر ، لأنه تعالى بين أن اللّه سبحانه مع أنه خلقه من علقة ، وأنعم عليه بالنعم التي قدمنا ذكرها ، إذ أغناه ، وزاد في النعمة عليه فإنه يطغى ويتجاوز الحد في المعاصي واتباع هوى النفس ، وذلك وعيد وزجر عن هذه الطريقة ، ثم إنه تعالى أكد هذا الزجر بقوله : إِنَّ إِلى رَبِّكَ الرُّجْعى [ العلق : 8 ] أي إلى حيث لا مالك سواه ، فتقع المحاسبة على ما كان منه من العمل والمؤاخذة بحسب ذلك . المسألة الثانية : قوله : كَلَّا فيه وجوه أحدها : أنه ردع وزجر لمن كفر بنعمة اللّه بطغيانه ، وإن لم يذكر لدلالة الكلام عليه وثانيها : قال مقاتل : كلا لا يعلم الإنسان إن اللّه هو الذي خلقه من العلقة وعلمه بعد الجهل ، وذلك لأنه عند صيرورته غنيا يطغى ويتكبر ، ويصير مستغرق القلب في حب الدنيا فلا يتفكر في هذه الأحوال ولا يتأمل فيها وثالثها : ذكر الجرجاني صاحب « النظم » أن كلا هاهنا بمعنى حقا لأنه ليس قبله ولا بعده شيء